يُعَدّ زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش واحدًا من أكثر المواضيع التي أثارت جدلًا عند بعض أهل الأهواء، فاستغلّتها الروايات الموضوعة والقصص المختلقة للطعن في طهارة النبي ﷺ، ومحاولة تشويه عصمته وسيرته العطرة. ومن أخطر ما انتشر في هذا الباب روايات واهية وضعيفة نُسبت زورًا إلى كتب التفسير والحديث، اعتمدت على رواةٍ كذّابين ومتروكين، كالوَاقِدِيّ ومقاتل بن سليمان ونوح بن أبي مريم.

«افتراء عشق النبي ﷺ لزينب: دراسة حديثية تُسقط الرواية من أصلها»

تداول بعض الطاعنين في سيرة النبي ﷺ رواياتٍ واهية يزعمون من خلالها أنّ رسول الله ﷺ تعلّق بزينب بنت جحش قبل زواجها من زيد بن حارثة، وأن ذلك كان سببًا في طلاقها وزواجه ﷺ بها. وقد انتشرت هذه الروايات في بعض كتب القصّاص والمتأخرين دون تمحيص، رغم أنّ أهل العلم والحديث بيّنوا بطلانها، وأنها لا تليق بمقام النبوّة المعصومة، ولا تثبت من ناحية الإسناد أو المتن.
هذا المقال يقدّم دراسة دقيقة للروايات، ويكشف الشبهة المثارة، مع تحليل علمي موثّق يبيّن زيف القصة ويفضح عللها وأوجه سقوطها.

الشبهة:

يزعم خصوم الإسلام أن النبي ﷺ أعجب بزينب بنت جحش عندما دخل بيت زيد فرأى جمالها، فقال: «سبحان مُصرِّف القلوب»، فوقع ذلك في قلبه، فأوحى الله لزيد أن يطلّقها ليتزوجها النبي ﷺ. ويستندون إلى روايات منسوبة للواقدي، ومقاتل بن سليمان، ونوح بن أبي مريم، وبعض القصاص؛ ويضيفون حكايات عاطفية تدّعي أنّ الريح كشفت الستر، وأن النبي ﷺ هوى زينب، وأنه أخفى هذا الهوى.

الردّ العلمي على رواية:

«سبحان مُصرِّف القلوب» وزعم عشق النبي ﷺ لزينب

هذه القصة التي يروّج لها بعض الخصوم، ويستدلون بها للطعن في مقام رسول الله ﷺ، هي قصة باطلة لا أصل لها من جهة الإسناد، ومخالفة لعقيدة عصمة الأنبياء من جهة المتن، وقد اتفق أئمة الحديث على ردّها وبيان عللها. وفيما يلي خلاصة مفصلة لأوجه بطلانها.

أولًا: الرواية باطلة سندًا قطعًا

1- الإسناد فيه الواقدي: متروك كذّاب

الرواية مدارها على محمد بن عمر الواقدي، والحاكم نفسه يرويها من طريقه. والواقدي مجمع على تركه:

قال أحمد: كذاب يقلب الأحاديث.

قال البخاري وأبو حاتم: متروك.

قال النسائي: يضع الحديث.

قال الدارقطني: ضعيف.

إذًا: الرواية ساقطة أصلًا لأنها من طريق الواقدي الكذاب.

2-فيها عبد الله بن عامر الأسلمي: ضعيف الحديث

قال فيه ابن حجر: "ضعيف".

فالإسناد متهالك من أصله ولا يصلح للاعتبار.

3- الإرسال الصريح من محمد بن يحيى بن حبان

محمد بن يحيى وُلد سنة 47هـ، والنبي ﷺ توفي سنة 11هـ، فهو تابعي صغير لم يُدرك القصة.

إذن: الإسناد مرسل منقطع قطعًا.

ثانيًا: الروايات التي تُنسب لمقاتل بن سليمان كلها باطلة

الرواية المشهورة في كتب التفاسير (رآها فأعجبته…) مدارها على مقاتل بن سليمان، وهو:

قال عنه البخاري: "لا شيء".

قال الدارقطني: "يكذب".

قال ابن أبي حاتم: "صاحب المناكير".

الذهبي: "أجمعوا على تركه".

فكل ما نُقل عنه من هذه القصة: باطل مكذوب لا يحل روايته إلا مع بيان وضعه.

ثالثًا: ما نقله القرطبي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم — موضوع

نوح بن أبي مريم مشهور بالوضع:

قال ابن معين: "ليس بشيء".

قال البخاري: "ذاهب الحديث جدًا".

قال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك.

قال الجوزجاني: "يسقط حديثه".

والقصة منسوبة إليه بلا إسناد أصلاً، فهي باطلة على باطل.

رابعًا: جميع الروايات العاطفية حول القصة لا أصل لها

كل التفاصيل من نوع:

«هويتُها»

«رآها قائمة فأعجبته»

«رفعت الريح الستر»

«سمعت التسبيحة»

«تورّم منه شيء»

كلها أساطير إسرائيلية كاذبة لا تصح بإسناد ولا يشهد لها نقل معتبر.

خامسًا: ما هو الصحيح في قصة زواج النبي ﷺ من زينب؟

1-التفسير الصحيح المعتمد عند المحققين

نقله القرطبي عن علي بن الحسين (زين العابدين)، واختاره:

القاضي أبو بكر بن العربي

القشيري

الزهري

وجمهور المحققين

وملخصه:

أن الله أخبر نبيَّه مسبقًا أن زيدًا سيطلق زينب وأنه سيتزوجها بأمر من الله

ولما كان زيد يشكو من خلق زينب ونشوزها، قال له النبي ﷺ:

﴿اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وهو يعلم من الوحي أنها ستُطلق، ولكن لم يصرّح له؛ تأديبًا ومراعاة للمصلحة.

"وتخفي في نفسك" أي: تخفي ما أطلعك الله عليه من أن الزواج بها سيكون بأمر الله، لا أنك تُخفي هوى أو عشقًا

وهذا تفسير السلف والمحققين.

"وتخشى الناس" أي: تخشى قولهم (تزوج امرأة ابنه بالتبني)، وكان ذلك قبل إبطال التبنّي.

فعاتبه الله: لأن حكم الله أحق بالاتباع من خشية كلام الناس.

الهدف الشرعي من الزواج:

قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ... أي ليبطل الله عادة الجاهلية في تحريم زوجة الابن المتبنّى.

لا يوجد في الآية ولا في السنة المعتمدة أي إشارة لهوى أو عشق بل كلها:

أمرٌ إلهي- إبطالٌ للتبني -تشريع عام للأمة

سادسًا: أقوى ردّ: عائشة نفسها صرّحت بما يُفنّد القصة

عائشة رضي الله عنها - وهي أعرف الناس بالنبي ﷺ - قالت عن زواج زينب:

"إن كانت لتفخر علينا بأن الله زوّجها من فوق سبع سماوات"
(صحيح البخاري)

ولم تذكر شيئًا مما يروّجه القصّاص، ولو كان له أصل لكانت أول من تتكلم به.

الخلاصة المحكمة الجاهزة:

جميع الروايات التي تزعم تعلّق النبي ﷺ بزينب أو وقوعها في قلبه، روايات مكذوبة سندًا ومتنًا، مدارها على كذابين: الواقدي، مقاتل، نوح بن أبي مريم، ومرسلات لا تصح.

والصيغة الصحيحة المعتمدة في التفسير:
أن الله أوحى لنبيه أن زيدًا سيطلق زينب وأن زواجه بها أمرٌ إلهي مقصود لإبطال التبنّي، فكان يخفي ما أطلعه الله عليه من هذا الحكم الشرعي، لا أنه يُخفي هوى أو ميلًا.

وهذا هو قول جمهور المحققين من العلماء.